كريم نجيب الأغر
447
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
للنظرية التي قد تخطئ ) . فهي من الأدوات التي توضّح اللفظ المجمل الذي قد يفسّر في أكثر من اتجاه . والحقيقة العلمية تشير ( كما سنراه لاحقا ) أن اللبن يستخرج من الفرث أولا ومن الدم ثانيا ، وبالتالي فالوسطية المعنوية هنا هي أن الاستخراج يحصل على مرحلتين : من الفرث أولا ومن الدم ثانيا كما أشارت إليه الآية القرآنية ، حيث قدّمت لفظ « فرث » على لفظ « دم » للإشارة أن الوسط الأول الذي يستخرج منه مكوّنات اللبن هو الطعام المتحلّل أو المهضوم ، وأن الوسط الثاني هو الدم . ولذلك جاء في البحر المحيط : « ويحتمل أن تكون البينية مجازية ، باعتبار تولده [ أي تولد اللبن ] من ما حصل في الفرث أولا ، وتولده من الدم الناشئ من لطيف ما كان في الفرث ثانيا » « 1 » . وتفصيل ذلك : أن اللبن يتكوّن من عناصر كثيرة ؛ كالبروتينات ، والفيتامينات ، والأملاح ، والدهون التي تستخلص من الطعام المهضوم بعد امتصاصه من الأمعاء ، والتي يتمّ نقلها إلى الثدي بواسطة الدم الذي يجري في الشرايين . فاللبن يتكون إذن من مكونات تستخلص من الفرث ومن الدم على التوالي ، مما يعني أن وظيفة « من » هي لابتداء الغاية في الأماكن في هذه الحالة ، بحيث إنها تعني أن اللبن يستخلص من الفرث إلى الدم في المرحلة الأولى ، ومن الدم إلى مكان آخر في المرحلة الثانية ( وهو « الثدي » الذي جاء ذكره في الحديث الشريف : « لا يحرّم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام » [ أخرجه الترمذي ح 56 ] وكما سنفصله لاحقا ) . ومن الجدير بالذكر أن الآية : مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً [ النحل : 66 ] في قمّة البلاغة ، لأنه اختصر وصف عملية استخراج اللبن على العموم بعبارة وجيزة جدّا ، فلو أردنا أن نروي قصة تكوّن اللبن حسبما أورده القرآن الكريم لتوجّب علينا أن نتفوّه بعبارة طويلة ، مثل أن نقول : يستخرج اللبن من الطعام المتحلّل في الكرش وينتقل منه إلى الدم ، ومن ثمّ يستخرج من الدم وينتقل منه إلى مكان آخر . وأما في الحالة الثانية : أي في حالة تقدير كلام محذوف : لبنا تتألف معظم أجزائه من بين فرث ودم ، فنفهم أن معظم اللبن يتألّف وسطيّا من أجزاء من الفرث ومن أجزاء من الدم ، وكأن الآية تعني : نسقيكم مما في بطونه لبنا يتألف من بعض
--> ( 1 ) البحر المحيط - ( ج 5 / ص 510 ) .